عبد القاهر الجرجاني

21

دلائل الإعجاز في علم المعاني

أسرّك ، البيتين ؟ فإذن ربّ هزل صار أداة في جدّ ، وكلام جرى في باطل ثمّ استعين به على حقّ ، كما أنه ربّ شيء خسيس ، توصّل به إلى شريف ، بأن ضرب مثلا فيه ، وجعل مثالا له ، كما قال أبو تمام : [ من الكامل ] واللّه قد ضرب الأقلّ لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس " 1 " وعلى العكس ، فربّ كلمة حق أريد بها باطل " 2 " ، فاستحقّ عليها الذمّ ، كما عرفت من خبر الخارجي مع علي رضوان اللّه عليه . وربّ قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبّب به إلى قبيح ، كالذي حكى الجاحظ قال : " رجع طاوس " 3 " يوما عن مجلس محمد بن يوسف " 4 " ، وهو يومئذ والي اليمن فقال : ما ظننت أنّ قول : " سبحان اللّه " يكون معصية للّه تعالى حتى كان اليوم ، سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما ، فقال رجل من أهل المجلس : " سبحان اللّه " ، كالمستعظم لذلك الكلام ، " ليغضب ابن يوسف " " 5 " . فبهذا ونحوه فاعتبر ، واجعله حكما بينك وبين الشّعر . وبعد ، فكيف وضع من الشّعر عندك ، وكسبه المقت منك ، أنك وجدت فيه الباطل والكذب وبعض ما لا يحسن ، ولم يرفعه في نفسك ، ولم يوجب له المحبة من قلبك ، أن كان فيه الحقّ والصّدق والحكمة وفصل الخطاب ، وأن كان مجنى ثمر العقول والألباب ، ومجتمع فرق الآداب ، والذي قيّد على الناس المعاني الشريفة ، وأفادهم الفوائد الجليلة ، وترسّل بين الماضي والغابر ، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد ، ويؤدّي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد ، حتّى ترى به آثار الماضين ، مخلّدة في الباقين ، وعقول الأوّلين ، مردودة في الآخرين ، وترى لكل من رام الأدب ، وابتغى الشّرف ، وطلب محاسن القول والفعل ، منارا مرفوعا وعلما منصوبا وهاديا مرشدا ، ومعلّما مسدّدا ، وتجد فيه للنّائي عن طلب المآثر ، والزاهد في اكتساب

--> ( 1 ) البيت لأبي تمام في ديوانه ، والتبيان ص ( 368 ) بتحقيق د . عبد الحميد هنداوي . والنبراس : المصباح والسراج مشتق من النبرس : القطن . اللسان ( نبرس ) . كذلك ذكر الجوهري في الصحاح أن النبراس هو المصباح . ( 2 ) قالها الإمام علي في جواب رجل من الخوارج دعا إلى التحكيم . انظر تاريخ الطبري ( 5 / 72 ) . ( 3 ) وهو التابعي المشهور ، المتوفى سنة 106 ه ، بمكة في عهد هشام بن عبد الملك . اه سير أعلام النبلاء ( 5 / 38 ) . ( 4 ) وهو أخو الحجاج توفي سنة 91 ه . الأعلام : ( 7 / 147 ) . ( 5 ) الخبر في البيان والتبيين ، ( 1 / 395 ) ، أورده في باب : " ما ذكروا فيه من أن أثر السيف يمحو أثر الكلام " .